سيُذكر كأس العالم FIFA 2026 أولاً وقبل كل شيء بسبب حجمه. إذ يضم ثمانيةً وأربعين منتخباً، وتستضيفه ثلاث دول. وهذا يعني مزيداً من السفر والمباريات والشاشات، ومزيداً من الأشخاص الذين يحاولون متابعة كل شيء في آنٍ واحد. وبالنسبة إلى المشجعين في الإمارات، يعني ذلك ليالي طويلة، وانتباهًا مشتتاً، ومجموعات دردشة تعج بالمقاطع.
لكن القصة الأكثر إثارة للاهتمام لا تقتصر على كرة القدم، بل تتمثل فيما ستجعله البطولة أمراً مألوفاً بهدوء.
كأس العالم 2026 ليس نهاية المطاف بالنسبة إلى التكنولوجيا الرياضية، بل هو اختبار علني؛ من ذلك النوع الذي لا يدرك فيه مليارات الأشخاص أنهم يشاهدون أنظمة جديدة تُختبر تحت الضغط وفي الوقت الفعلي.
مستقبل التكنولوجيا الرياضية بعد كأس العالم FIFA 2026
لم يعد الحكم مجرد شخص يحمل صافرة. لقد تغيرت كرة القدم بالفعل بفضل تقنية حكم الفيديو المساعد (VAR)، وتقنية خط المرمى، وتقنية التسلل شبه الآلية. يحبها بعض المشجعين، وقد تقبلها معظمهم. فهي أصبحت جزءاً من التجربة الآن.
ستكون المرحلة التالية أسرع وأكثر اعتماداً على الصورة. ويستخدم نظام FIFA المتقدم للتسلل شبه الآلي لعام 2026 تتبع اللاعبين والكرة لمساعدة الحكام على اتخاذ القرارات بسرعة أكبر.
كما تمنح كاميرات منظور الحكم الجهات الناقلة زاوية أقرب لما يراه الحكام فعلياً. وهذا أمر مهم؛ فالتدخل يبدو مختلفاً من الأريكة عما يبدو عليه حين يركض لاعب عبر مجال رؤيتك ويهتف الملعب بصخب.
ومع ذلك، لنكن صريحين: لن تنهي التكنولوجيا الجدالات، بل ستنقلها إلى مواضع أخرى.
في السابق، كان الناس يتجادلون حول ما إذا كان اللاعب متسللاً. أما الآن فيتجادلون حول لحظة اللقطة، وموضع الجسم، والتداخل، والتفسير. فمشجعو كرة القدم لا يكفون عن كونهم مشجعين لمجرد ظهور رسم ثلاثي الأبعاد على الشاشة.
بعد عام 2026، ستستخدم رياضات أخرى أنظمة مماثلة، لا سيما في القرارات التي تحسمها فروق ضئيلة. فالكريكيت يعتمد بالفعل على تتبع الكرة والجدل الذي تثيره تقنية UltraEdge. وجعل التنس قرارات تحديد الخطوط شبه حاسمة. أما كرة القدم فتسير في هذا الاتجاه.
المباراة أصبحت الآن منتجاً قائماً على البيانات
Xأوضح كأس العالم FIFA 2026 أمراً واحداً: لم تعد المباراة تقتصر على تسعين دقيقة فوق العشب. فهناك كاميرات ومستشعرات و
خوادم ولوحات معلومات للمحللين وأنظمة بث وتغذيات للهواتف المحمولة، وكلها تعمل معاً.
يشعر المشجع بذلك بطرق بسيطة، مثل الإعادات الأسرع والزوايا الأوضح والتأخيرات الأقل، ووصول أبرز اللقطات قبل أن ينتهي تقريباً النقاش الدائر في غرفة الجلوس. وتستند هذه السهولة البسيطة إلى منظومة تقنية ضخمة.
بعد 2026، سيصبح هذا أمراً مألوفاً في الرياضات الكبرى. وستواجه رياضات مثل الكريكيت والفورمولا 1 والتنس وكرة السلة وسباق الخيل والبادل، وحتى بطولات المدارس الممولة جيداً، ضغوطاً لتقديم بيانات أغنى عن المباريات، تشمل مقاطع مؤتمتة ولوحات معلومات مباشرة وخرائط حرارية وتنبيهات بشأن مخاطر الإصابات وملخصات سريعة للمدربين.
سيساعد الذكاء الاصطناعي المدربين ولن يحل محلهم
من أبرز التغييرات الجادة تحليل المباريات بمساعدة الذكاء الاصطناعي. إذ أصبح بإمكان المدربين دراسة المنافسين ومقارنة الأنماط والحصول على شروحات مرئية من دون الحاجة إلى فريق عمل ضخم خلف الكواليس.
وقد يكون لذلك أثر مهم في الأندية والأكاديميات. فالمواهب موجودة هنا، لكن اكتشافها لا يزال يعتمد أكثر مما ينبغي على أن يشاهد أحدهم اللاعب في اليوم المناسب. ولا ينبغي أن يحتاج جناح شاب إلى تجربة واحدة مثالية حتى يلفت الأنظار. فمن خلال سجلات البيانات المناسبة وتحليل الفيديو وتتبع الأداء، يمكن رصد تطوره على مدى أشهر.
وفي النهاية، سيستخدم أفضل المدربين الذكاء الاصطناعي باعتباره عيناً ثانية، لا باعتباره عقلاً مستأجراً من شركة
برمجيات.
ستصبح الملاعب أكثر ذكاءً
لا تقتصر الملاعب الذكية على شاشات LED العملاقة وشبكة Wi-Fi الأفضل. فهي تشمل الطوابير وانسيابية حركة الجماهير والتنظيف والسلامة ومواقف السيارات والمحتوى المخصص. وكلما قلّ انتباه المشجع إلى النظام، كان ذلك دليلاً على حسن أدائه.
يمكن للمنشآت الأخرى الاستفادة من ذلك سريعاً، لأن الجماهير المحلية تتوقع الراحة بالفعل. فالمشجع الذي يستطيع العثور على مقعده بسهولة والمغادرة من دون أن تعلق حركته وسط حشد بطيء، يكون أرجح عودةً إلى الملعب.
وهذا مهم للرياضة المحلية أيضاً. فمباراة في دوري المحترفين الإماراتي أو أمسية كريكيت في أبوظبي تنافس مراكز التسوق ومنصات البث ونوادي الشاطئ والألعاب والخطط العائلية. وسيعرف الملعب في المستقبل متى تزدحم البوابات، وأين تلزم أعمال التنظيف، وأي الشاشات ينبغي أن تعرض الإعادات، وكيفية توجيه الجماهير بعد صافرة النهاية.
ستشبه التغطيات المباريات الألعاب، ولكن ليس بالكامل
تتجه التغطية الرياضية نحو تجربة متعددة الطبقات. وستصبح كاميرات منظور الحكم والرسوم التكتيكية التوضيحية وإعادة إنشاء اللقطات ثلاثية الأبعاد والإحصاءات الفورية والخرائط الحرارية للاعبين وأبرز اللقطات المدعومة بالذكاء الاصطناعي أكثر شيوعاً. وسيتوقع المشجعون الأصغر سناً، ولا سيما الذين نشأوا على الألعاب، تحكماً أكبر فيما يشاهدونه.
سيرغب بعضهم في التغطية المعتادة، وبعضهم في زوايا الكاميرات التكتيكية، فيما سيشاهد آخرون حزم مباريات مولّدة بالذكاء الاصطناعي مدتها خمس دقائق، لأن الحياة مزدحمة والانتباه مشتت.
وهنا يصبح الجمهور مثيراً للاهتمام؛ فهو متنوع، شغوف بكرة القدم في بعض الأوساط وبالكريكيت في أوساط أخرى، ويتنقل كثيراً. ولا يناسب أسلوب بث واحد دبي أو أبوظبي أو الشارقة أو جمهور منطقة الخليج الأوسع. لذا سيكون المستقبل أكثر تخصيصاً.
قد تستفيد الرياضة المجتمعية، ولكن فقط إذا انخفضت التكاليف
إليكم الجانب الذي يبعث على التفاؤل: عادةً ما تصبح التكنولوجيا التي تُختبر في الفعاليات الكبرى أقل تكلفة بمرور الوقت.
يمكن لنظام يبدأ في كأس العالم أن يؤثر في نهاية المطاف في الأكاديميات والمدارس والأندية المحلية والرياضة المجتمعية. وقد تساعد أدوات التتبع الأخف وزناً وتحليلات الفيديو الميسورة التكلفة ومساعدو التدريب المدعومون بالذكاء الاصطناعي ومنصات اكتشاف المواهب الرقمية الرياضيين الشباب في الإمارات على تلقي ملاحظات أفضل في وقت مبكر.
وهذا مهم لأن المواهب غالباً ما تُغفل لأسباب عادية. فقد يعيش اللاعب بعيداً عن الأكاديمية المناسبة، أو يكون لدى المدرب عدد كبير جداً من الأطفال لمتابعتهم كما ينبغي، أو تعجز أسرة عن تحمل تكاليف تجارب الأداء المتكررة، أو يفتقر فريق مدرسي إلى بيانات أداء ملائمة. لا تستطيع التكنولوجيا حل كل ذلك، لكنها قادرة على تقليل بعض نقاط القصور.
تهدف الاستراتيجية الوطنية للرياضة في الإمارات 2031 إلى زيادة المشاركة وتعزيز الرياضة التنافسية. ويمكن للتكنولوجيا الرياضية أن تدعم هذا التوجه، شريطة ألا يقتصر استخدامها على الأندية المتميزة والأكاديميات الخاصة.
المستقبل الحقيقي أقل صخباً من الضجة المثارة
بعد
كأس العالم FIFA 2026، ستصبح التكنولوجيا الرياضية أقل ظهوراً وأكثر تأثيراً. وستعمل أفضل الأنظمة في الخلفية: إعادة أسرع، ومسار أكثر أماناً للجماهير، وخطة تدريب أذكى، ومسار أكثر إنصافاً لاكتشاف المواهب.
لن تجعل التكنولوجيا الرياضة أكثر انضباطاً أو أقل عاطفية في المستقبل، بل قد تثير جدالات جديدة. لكنها قادرة على تحسين سير الرياضة وتعزيز فهمها وجعلها أكثر إنصافاً بعض الشيء، إذا تذكر الناس أمراً واحداً: ينبغي للتكنولوجيا أن تخدم المباراة، لا أن تصبح هي المباراة.
ففي النهاية، لا يزال الناس يريدون الأمر القديم نفسه: هدفاً، أو تصدياً، أو عودة متأخرة في النتيجة، أو طفلاً يرى لاعباً ويقرر في هدوء أن هذا ما يريد أن يفعله.
لا يستطيع أي برنامج اصطناع تلك اللحظة. وبوجه عام، تتمثل مهمة التكنولوجيا الرياضية في حمايتها، لا في طمسها.